يرى الكاتب بول بيلر، المسؤول السابق في المخابرات الأمريكية، أن "عملية الغضب الملحمي" ستجعل من الصعب على الولايات المتحدة ممارسة دبلوماسية حقيقية في المستقبل. ويشير بيلر إلى أن العدوان —كحرب هجومية اختيارية— بات يبدو وكأنه أمر طبيعي في الخطاب السياسي الأمريكي، رغم كونه انتهاكاً صريحاً لميثاق الأمم المتحدة الذي يصف العدوان بأنه "الجريمة الدولية الكبرى".
ويبدو أن حرب العراق قبل 23 عاماً وسعت آفاق القبول لهذا النوع من الهجمات، بعدما كانت العمليات العسكرية الأمريكية في القرن العشرين تقتصر على تدخلات محدودة أو ردود فعل على عدوان خارجي.
وتوضح مجلة "ذا ناشيونال إنترست" أن إدارة ترامب لم تبذل جهداً يُذكر لتبرير حربها ضد إيران، على عكس حملة المبيعات المطولة التي سبقت غزو العراق. فقد اكتفى الرئيس ترامب بتصريحات عابرة في خطاب حالة الاتحاد، كرر فيها ادعاءات مضللة حول وصول الصواريخ الإيرانية للأراضي الأمريكية، وزعم كذباً أن الضربات الجوية في يونيو الماضي محت برنامج إيران النووي. ورغم عدم وجود أدلة على سعي طهران لامتلاك سلاح نووي، أصر ترامب على سماع "كلمات سرية" بالتخلي عن الطموحات النووية، متجاهلاً النفي العلني المتكرر من الجانب الإيراني.
ذرائع واهية وتجاهل للمسار الدبلوماسي
لم يكن البرنامج النووي الإيراني قريباً من إنتاج سلاح قبل بدء الهجمات، كما لم تسفر الضغوط العسكرية عن حماية المعارضين في الداخل، بل رفض قادة الإصلاح في إيران أي تدخل أجنبي. وفيما يخص الصواريخ الباليستية، يرى بيلر أن إيران تعتبرها وسيلة ردع ضرورية ضد الاعتداءات المتكررة عليها، ولم تستخدمها هجومياً قط. وينطبق الأمر ذاته على حلفائها في المنطقة؛ إذ نشأ "حزب الله" رداً على الغزو الإسرائيلي، وظهرت حماس رداً على القمع، بينما تعاظم دور الحوثيين عقب الهجوم السعودي الواسع على اليمن.
وقد اختلق ترامب أزمة "الوقت الذي ينفد" في وقت لم تكن فيه إيران تقوم بأي عمل يستدعي العجلة، ويبدو أن العجلة الوحيدة كانت تهدف لاستباق نقاش في الكونجرس حول صلاحيات الحرب. والأدهى من ذلك، أن المسار الدبلوماسي كان مفتوحاً وفعالاً؛ إذ عقد المفاوضون جولة محادثات مطولة في جنيف قبل يومين فقط من الهجوم، وأكد الوسيط العماني تحقيق تقدم ملموس، وكان من المقرر عقد جولة فنية في فيينا، مما يعزز الاستنتاج بأن المفاوضات لم تكن سوى خدعة أمريكية لتمهيد الطريق لحرب أرادها ترامب منذ البداية.
تدمير المصداقية الأمريكية وتقويض الردع
يؤدي هذا السلوك إلى تدمير مصداقية الولايات المتحدة في أي مفاوضات مستقبلية مع أي دولة؛ إذ سيتطلب الأمر "قفزة إيمانية" من أي طرف أجنبي لتصديق أن واشنطن تتفاوض بحسن نية. وسيخشى المفاوضون الأجانب من أن تقديم التنازلات قد يُفهم كضعف، أو أن المعلومات الحساسة التي تُقدم للهيئات الدولية —مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية— قد تُستخدم في توجيه الضربات العسكرية، كما تشك طهران في حدوث ذلك خلال هجمات يونيو الماضي.
علاوة على ذلك، يسيء هذا النهج إلى الوسطاء الدوليين، حيث جعلت واشنطن وزير الخارجية العماني يبدو وكأنه يضيع وقته أو يظهر بمظهر المغفل. وبدلاً من "استعادة الردع"، تسببت الإدارة في تقويضه؛ فالردع يتطلب أن يؤمن الطرف المستهدف ليس فقط بالتكاليف التي سيتحملها إذا أساء التصرف، بل وأيضاً بأنه لن يتحمل تلك التكاليف إذا تعاون. وعندما يُهاجم بلد رغم جهوده الدبلوماسية، يختفي أي حافز للتعاون مستقبلاً.
خطر الهروب من الأزمات المحلية
تتزايد المخاوف من أن دوافع المهاجم تشمل الهروب من الصعوبات المحلية بقدر ما تتعلق بسلوك الطرف الآخر. فعندما تسعى القوة المهاجمة إلى نشر الفوضى والضعف بدلاً من التعاون، فإنها تنهي إمكانية بناء نظام دولي مستقر. لقد دخل العالم حقبة جديدة حيث تُستخدم التكنولوجيا والمعلومات الاستخباراتية لتحويل الحوار إلى عنف، مما يترك أثراً طويل الأمد يتجاوز ساحة المعركة الحالية في إيران ليشمل كل جوانب النفوذ الدولي للولايات المتحدة.
https://nationalinterest.org/blog/paul-pillar/the-astonishingly-weak-case-for-war-with-iran

